
المالينتشي: الأَمَة التي صارت الصوت الذي أطاح بإمبراطورية
الأطروحة: المرأة الأكثر لعنًا في الذاكرة المكسيكية (اسمها بات مرادفًا للخيانة، 'المالينتشية') كانت أيضًا الشخص الوحيد في القارة القادر على مدّ جسر لغوي بين حضارتين لا تشتركان في كلمة واحدة، ومن دون هذا الجسر لا وجود لفتح كورتيس ببساطة.
الموسيقى التصويرية الأصلية · المالينتشي
0:00 / 27:17تقييم الملف
المس رمزًا لتمنح تقييمك
مشاركة الملف
I · الحكاية
الفصل 1 من 6عشرون امرأة واسمٌ لم يُولد بعد
ينساب نهر غريخالبا كثيفًا حارًّا في آذار، محمَّلًا بطمي الغابة. وعلى ضفّته تقف عشرون امرأة منتظرات. جيشان يُنهيان اقتسام حربٍ خسرها سلفًا الذين يسلّمونهنّ. وليس لأيٍّ منهنّ اسمٌ بعدُ لدى الرجال الذين يتلقّونهنّ. فقد هُزم زعماء التشونتال في بوتونتشان قبل أيام معدودة في معركة سِنتلا، على يد رجالٍ يمتطون خيولًا لم يرها أحدٌ على ذلك الساحل قطّ. دفعوا ثمن الصلح ذهبًا ومؤنًا وهؤلاء النسوة العشرين. أحصوهنّ ضمن قائمة الغنائم، لا كأشخاصٍ لكلٍّ منهنّ سيرتها. وبينهنّ شابّة من إقليم كواتساكوالكوس. ولم يكن الإسبان يعلمون بعدُ أنّ في فمها يكمن المفتاح الوحيد القادر على فتح إمبراطورية بأسرها.
والرواية التي سيدوّنها بعد عقود المؤرّخ بيرنال دياث ديل كاستيّو تحكي قصةً سابقة أخرى. تقول إنّ هذه الشابّة لم تُولد أَمَةً، بل ابنةَ زعيم. وعند وفاة أبيها، بحسب تلك الرواية، سلّمتها أمّها نفسها سرًّا إلى تجّار شيكالانغو، المرفأ التجاري الكبير على بحيرة تيرمينوس، لتؤمّن الميراث لأخٍ غير شقيق. وهي قصةٌ لا يستطيع أحدٌ تأكيدها بمصدرٍ مستقلٍّ آخر. والشيء الوحيد المؤكّد هو النتيجة. فمن شيكالانغو انتقلت إلى أيدي مايا التشونتال في تاباسكو. ومن هناك، بعد سِنتلا، بلغت تلك الضفّة من نهر غريخالبا، حيث تنتظر الآن دورها بين تسع عشرة امرأة أخرى لم يخترن هنّ أيضًا أن يكنّ هناك.
يُدعى القائد الإسباني الذي يتلقّاهنّ هيرنان كورتيس. وفي الشهر نفسه يأمر بأن يُعمَّد العشرون قبل توزيعهنّ بين رجاله. يتلو الراهب بارتولومي دي أولميدو الطقس والماء لا يزال فاترًا من حرّ الأصيل. ويُسبغ على الشابّة الكواتساكوالكوسيّة اسم مارينا. ثمّة في هيئتها، وفي طريقة ردّها، شيءٌ يبقى ظاهرًا حتى تحت شرط العبودية. ولذلك يبدأ الإسبان بمناداتها باللقب المحفوظ لنساء الدم النبيل: دونيا مارينا. إنها لفتة مجاملةٍ خاوية في تلك اللحظة. لم يكن أحدٌ يتخيّل بعدُ كم سيثقل وزن ذلك اللقب في غضون عام.
ففي تلك الشاطئ، بينما يقتسم الجنود النسوة العشرين كما تُقتسم أيّ غنيمة حربٍ أخرى، ثمّة سؤالٌ لم يُطرح. فلم يسأل أحدٌ بعدُ أيّ اللغات تتكلّم كلٌّ منهنّ، وهذا الإغفال سيقرّر مصير حضارتين. يملك كورتيس مترجمًا، هو خيرونيمو دي أغيلار، إسبانيٌّ تحطّمت سفينته فأمضى ثماني سنوات أسيرًا بين المايا. يتقن أغيلار المايا اليوكاتيكيّة. لكنّ الإمبراطورية التي يسعى كورتيس إلى غزوها، الإمبراطورية التي يحكمها موكتيسوما من تينوتشتيتلان، لا تتكلّم المايا. إنّها تتكلّم النّاهواتل. ومن النسوة العشرين اللواتي سُلّمن في ذلك الأصيل في بوتونتشان، واحدةٌ فقط تتكلّمها بطلاقة، تعلّمتها في الطفولة، في أرض منشئها، قبل أن تُباع للمرّة الأولى.
لم يكن أحدٌ على تلك الضفّة يعلم ذلك بعدُ. لم يعلمه الزعماء الذين يسلّمونها شراءً للسلام. ولم يعلمه الجنود الذين يتلقّونها ضمن القسمة. بل لم يعلمه كورتيس نفسه، الذي كان في تلك اللحظة يتفرّس في الذهب والمؤن باهتمامٍ أشدّ من اهتمامه بالنسوة العشرين المصطفّات في صفّ. حوّلوها إلى سلعةٍ مرّتين قبل أن يحوّلوها إلى اسم. لم يروِ أحدٌ في ذلك الأصيل ما لم يكن له بعدُ صورةٌ يُروى بها. ففي داخل تلك المرأة التي لا اسم لها لدى القادمين الجدد كانت تغفو لغتان لم يكن أيّ رجلٍ حاضرٍ على ذلك الشاطئ قادرًا على الوصل بينهما. وفي لحظةٍ ما بين ذلك الأصيل والشتاء التالي، ستغدو تلك المسافة بين لغتين هي المسافة الدقيقة بين بقاء إمبراطورية بأسرها وسقوطها.
يعلو المدّ فوق نهر غريخالبا فيمحو أثر دماء سِنتلا. وتمضي دونيا مارينا نحو المعسكر الإسباني وهي لا تعلم بعدُ أنّ أسوأ عبوديتيها على وشك أن يجعل منها المرأة التي لا غنى عنها في القارّة كلّها.
