الملف · سِيَر ذاتية

كامي كلوديل: العبقرية التي نسبها رودان إلى نفسه

سيرة النحّاتة التي ربما شكّلت يداها بعضاً من أشهر الأعمال المنسوبة إلى معلّمها، والتي حبستها عائلتها ثلاثين عاماً في مصحّة رغم تأكيد الأطباء مراراً وتكراراً أنها ليست مجنونة.

الملف · BIO-001الفصول · 5الخيوط · 11الشخصيات · 7

الموسيقى التصويرية الأصلية · كامي كلوديل

0:00 / 24:02

تقييم الملف

المس رمزًا لتمنح تقييمك

I · الحكاية

الفصل 1 من 5السؤال الذي لم يشأ أحد طرحه

في متحف رودان بباريس قاعةٌ تكاد تُكرَّس بأكملها لاسمٍ واحد. غير أنه أمام خزانةٍ زجاجية بعينها، تحمل اللوحة اسماً آخر: كامي كلوديل. يُظهر المنحوت رجلاً تجرّه هيئةٌ واهنة متهالكة، بينما تمدّ امرأةٌ شابة، راكعةً، ذراعيها نحوه عاجزةً عن استبقائه. اسمها «سنّ النضج». وطوال عقود، لم يكد أحدٌ يتوقف ليتساءل عن المعنى الحقيقي لتلك الصورة: امرأةٌ تتوسّل إلى رجلٍ يبتعد، نحتتها المرأة الحقيقية التي رأته يبتعد عنها بلحمه ودمه.

بالنسبة إلى معظم من يعرفون اسمها، ليست كامي كلوديل سوى شخصية ثانوية في حياة عبقريٍّ آخر. تلميذة رودان. عارضته. حبيبته المأساوية. المرأة التي انتهت إلى الجنون. ونادراً ما تُقدَّم أولاً بوصفها ما كانته قبل أيّ شيء آخر: نحّاتةٌ كانت في العشرين من عمرها تُخرِس نقّاد باريس، وكان توقيعها، بين عامَي ألفٍ وثمانمائةٍ وخمسةٍ وثمانين وألفٍ وثمانمائةٍ وثلاثةٍ وتسعين، غائباً عن كل الأعمال التي أسهمت في صناعتها.

فقد كانت، من الناحية التقنية، «مُنفِّذة محترفة» في المرسم. وفي نحت القرن التاسع عشر، كان من المألوف أن يوقّع الأساتذة قطعاً نحت أيديها ونحت ثنايا أثوابها ووجوهها الثانوية مساعدون مجهولون. وعلى هذا النحو عملت كلوديل لدى رودان ثماني سنوات، داخل المرسم الذي كان يديره في باريس. لا أحد يجادل في هذه الحقيقة. أما ما يجادل فيه مؤرخو الفن، منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فهو مقدار ما دُفن منها داخل ما صفّق له العالم بوصفه عملاً خالصاً له وحده.

والتفصيل الذي ترسو عليه الشكوك كلها بسيطٌ بقدر ما هو محرج: حين تُقارَن أيادي شخصياتٍ بعينها موقَّعة باسم رودان وحده بالأيادي التي كانت كلوديل تنحتها في أعمالها الخاصة كمنحوت «شاكونتالا»، الموقَّع باسمها الكامل، لا يكون الشبه في الأسلوب العام. بل هو شبهُ الإيماءة بعينها، وتوتّرِ مفاصل الأصابع، وطريقةِ انحناء الأصابع نحو الداخل كأنها تمسك بشيءٍ قد ضاع بالفعل. لا يزال الجدل قائماً. ولا وثيقةٌ موقَّعة تحسمه. وهذا الغياب للوثيقة هو، في ذاته، جزءٌ من القصة.

وبينما ظلّ ذلك السؤال بلا جواب، لم تعد المرأة التي جعلته ممكناً قادرةً على الدفاع عن نفسها. ففي عام ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثة عشر، إثر وفاة والدها، وقّعت أسرة كامي كلوديل على إيداعها مصحّاً للأمراض النفسية. كانت في الثامنة والأربعين. ولم تخرج منه أبداً. وقد أوصى أطباء مستشفى مونديفيرْج، جنوبي فرنسا، بإطلاق سراحها مراراً عبر السنوات التالية، مسجّلين كتابةً أنهم لا يجدون فيها من الأعراض ما يبرّر استمرار احتجازها. لكن أمها وأخاها لم يستجيبا قط لتلك التوصيات. فبقيت كامي كلوديل محبوسةً ثلاثين عاماً، من دون أن تكون، بحسب أطبائها أنفسهم، امرأةً مريضة.

كانت تكتب الرسائل. المئات منها، تتوسّل أن يُخرِجها أحدٌ من هناك، أن يجلب لها أحدٌ طيناً، أن يتذكّر أحدٌ أنها موجودة. ولم يحظَ معظمها بجواب. وفي إحداها وصفت زنزانتها بأنها مكانٌ لا يمضي فيه الزمن، بل يتراكم فحسب. توفيت في التاسع عشر من أكتوبر عام ألفٍ وتسعمائةٍ وثلاثةٍ وأربعين، في ذروة الاحتلال الألماني لفرنسا، من دون أن يحضر أحدٌ من أقربائها للمطالبة بجثمانها.

دُفنت في مقبرة المصحّ نفسه، في قبرٍ منفرد لم يدفع أحدٌ ثمن الحفاظ عليه. وبعد سنوات، حين انقضت مدة الامتياز من دون أن تجدّده المؤسسة ولا الأسرة، أُعيد تخصيص القطعة لمريضٍ آخر ونُقلت رفاتها إلى مقبرةٍ جماعية. واليوم لا يوجد مكانٌ ماديّ يُودَع فيه زهرةٌ إكراماً لكامي كلوديل. حتى مثواها الأخير لم يظفر بالسكينة.

يبقى إذن السؤال الذي لم يستطع أيّ مؤرخ أن يغلقه بيقينٍ وثائقي، السؤال ذاته الذي يقوم عليه كل ما سيأتي لاحقاً في هذه القصة: إذا كان جزءٌ من أشهر أيادي أوغست رودان لم تنحتها في الحقيقة يدا رودان، فماذا خسر العالم بالضبط حين قرّر أن عبقرياً واحداً فحسب كان في ذلك المرسم؟